خلاصة RSS

الفيل في الغرفة

Posted on

كالعادة، أعود للمدونة وأنا لا أعلم كيف أبدأ. أهجرها فترة طويلة ثم أعود إليها وأجدها بانتظاري دون عتاب ولا ملامة. هي تعلم جيدا أنني ألجأ إليها إذا رغبت بالإسهاب بكلمات لا يسعها انستجرام بعدد كلماته المحدود، وبالرغم من ذلك أجدها مرحبة ومهللة، ألا ليت كل العلاقات هكذا بلا لوم ولا عتاب.

بعد هذه المقدمة والتي حاولت فيها تلطيف ما سيأتي لا حقا، أجد نفسي حائرة كيف أبدأ. ما أرغب بالحديث عنه تجنبته لوقت طويل جدا رغبة مني بتجاهله حتى ينتهي من تلقاء نفسه، ولكنه لا ينتهي حتى أصبح كالفيل في الغرفة، أراه وأشعر به ولكني أتجاهله عنوة حتى اعتدت على وجوده رغم أنه يخنقني ويكتم أنفاسي ولكني مستمرة بالتجاهل. هل تراه عدم رغبة بالمواجهة لأنه لا جدوى من ذلك، أم ترفع وحرصا مني على عدم الخوض في مهاترات لا طائل من ورائها سوى المزيد من الصداع والمصادمات الفارغة، أم هو هروب؟ حقا لا أعلم ولكن ما أعرفه يقينا أن الفيل موجود.

في الفترة الأخيرة زاد الحديث كثيرا عن الحسابات والمعرفات في تويتر والتي دأبت على نعت نفسها بالحسابات الوطنية والتي سخرت نفسها للتنبيش على الآخرين بغرض ما يسمونه هم (فضح الخونة للدفاع عن الوطن) في حين أنه في أصله أذية للناس تفضي لنتائج بالغة السوء عليهم كفقد وظيفة أو تشويه سمعة أو أقلها إن لم يفض الوضع لأذى ملموس فهو مؤذ جدا نفسيا ويجعل الشخص المستهدف في حالة من الكرب وكأنه عار الصدر أمام سيل من الأسلحة الغادرة لا ترحم ولا تعطيه فرصة لالتقاط الأنفاس.

الحديث عن هذه الحسابات معقد جدا وأعلم تماما أن لا طائل من وراءه نظرا لاختلاط الحق بالباطل فيه. من جهة، هناك مزاعم بأن هذه المعرفات هدفها الدفاع عن الوطن وحمايته من الخونة والمندسين، وبناء على هذا الإدعاء، يتبعهم الكثير بدون تفكير فيتبنون ما يقولونه دون أي تحليل أو تبين أو تقصي فتجدهم يقومون بالريتويت والتعزيز اعتقادا منهم بأنهم هكذا يحمون الوطن ويدافعون عنه. لن أخوض كثيرا في هذه السلوكيات فهي تحتاج لدراسات إنسانية عميقة لتفسير ما يفعلونه ولمحاولة فهم كيف يجمعون حولهم الأتباع والذين يسلمون عقولهم بدون تفكير. ما أستغربه حقا هو أننا لم نفق بعد من صدمات من سلم عقله لمن تبنى خطاب الدفاع عن الإسلام بالعنف وحشد الحشود والمؤيدين لدرجة أنهم وصلوا لمرحلة أن من لا يتبنى أفكارهم في الدفاع عن الإسلام فهو كافر، وهذا ما تفعله المعرفات التي تدعي بأنها وطنية، مالم تفعل ما نفعله فأنت خائن، إن لم تكتب كذا وكذا فأنت متخاذل، إذا تابعت فلان والذي يتابعه فلان الذي يقول كذا وكذا فأنت عميل مندس، وهكذا دواليك حتى أصبح هؤلاء الأتباع جيش أموات أعمى يتبنى ما يقوله ويفعله كبارهم دون أي تحليل أو منطق، وبهذا استحال تويتر لغابة.

سأتحدث عن نفسي هنا. خلال سنوات تعرضت لعدة حملات تشويه وتخوين وفي كل مرة يتم اجترار تغريدات قديمة كتبتها في وقت سابق خلال سنوات طويلة بدءا من سنة ٢٠١١ وترص بجانب بعضها بطريقة تضمن لكل من يراها أن لا يكون له رأي في من كتبها سوى (سحقا وتبا لمن كتب، ما هذا القرف). هذا عدا عن اجتزاء مقاطع من حلقات سابقة لنون النسوة من سياقها بحيث تعطي انطباعا لمن يراها بأنني أشتم فئة معينة أو استنقص منها، هذا طبعا بالإضافة لتصاميم الفيديوهات والتي يقوم أحد الأغبياء بمنتجتها والتي تربط بيني وبين أشخاص آخرين بروابط غبية جدا وغير منطقية لدرجة أنني أراها وأتعجب كيف يجتمع الغباء والتخلف مع اللؤم والشر؟ وكيف يجد هذا اللئيم من يعزز له ويقول له (كفوووو أصلي عليك). الأدهى من ذلك أن هذه الفيديوهات والتغريدات المرصوصة بجانب بعضها تروج لشخصي المتواضع كشخص مدعوم وخطر وصاحب أجندات وغير ذلك الكثير مما أقرأه وأنا مذهولة. حقا؟؟ أهذا أنا؟ أنا التي أحيانا يكون أكبر مشاريعي هو قدر بامية مطبوخ بطريقة جيدة أمثل كل هذا الخطر ولي أجندات؟ طبعا خلال هذه الحملات والتي تتبع دائما سلوكا وطريقة محددة تبدأ بأحد كبارهم والذي يقوم بقيادة وتوجيه الباقين في مهمة جعل هتون شخص سئ وقبيح. ويتورط في هذه الحملات أحيانا شخصيات معروفة وكنت أكن لهم الاحترام ثم أجدهم يورطون أنفسهم ويعرضون مصداقيتهم للتشكيك باتباعهم الأعمى لمعرفات مجهولة وأحيانا معروفة تتعنى شيطنة الشخص وتشويهه عنوة لأسباب لازلت أجهلها. خلال هذه الحملات عمدت دائما وبعد استشارة من أثق بهم لتجاهل ما يحصل واتباع فضيلة الإنحناء للعاصفة حتى تمر وهذا حتى أجنب نفسي الدخول في مهاترات لا طائل من ورائها ولا فائدة ترجى. كنا نتناقش عن ما يتوجب علي فعله فلا نجد أفضل من الهدوء حتى يمر الطوفان. أنا مع أن يتحمل الفرد مسؤوليته تجاه كل ما يفعل وأنا نفسي لا أدعي المظلومية ولا أحب لعب دور الضحية. إذا أخطأ الشخص خطأ واضحا وملموسا وكان هناك صاحب حق معروف فوجب على الشخص تحمل المسؤولية والاعتذار من صاحب الحق، أما ما يحدث في تويتر فهو أقرب للجنون. يشوهون الشخص ويطالبونه بالاعتذار لا أدري لمن لأن لا صاحب حق هنا، واذا استجاب واعتذر يرفضون اعتذاره، ولا حول ولا قوة إلا بالله. منذ أن قررت الظهور العام كنت أعي جيدا أن هناك ضرائب ستدفع. أعطتني وسائل التواصل الكثير من الحب والدعم والذين لازالا مستمرين وهذا من فضل ربي، وفي المقابل تعرضت لحملات تشويه وتخوين لا تزال مستمرة في حال قرر أحد زعماء جيش الأموات قيادة حملة جديدة. لا أرغب بالإسهاب أكثر من ذلك، قمت بتضمين كتابي (١٩٨٠، بين جيلين) والذي أصبح الآن متوفرا في المكتبات فصلا كاملا عن الأذى الالكتروني ونشرت فيه تدوينة شرحت فيها الكثير عن الفيديوهات والتغريدات التي ترص بجانب بعضها للدلالة عن مدى سوئي وخطري ،آثرت أن أجعلها مخفية هنا في المدونة ولكن قراء كتابي حين يصلون لفصل الأذى الالكتروني سيكونون قد كونوا فكرة عني تسمح لهم بالقراءة بوعي، أما هنا فهم لا يعرفونك ولا يفقهون شيئا ولكن يشاركون في أذيتك، سبحان الله.

طبعا دائما الجواب الحاضر عند هؤلاء هو (نحن ندافع عن وطننا من أمثالك ونستخدم ما كتبتيه بيدك ونشرتيه في مكان عام) وهذا طبعا حق لا يراد به سوى الباطل. اجترار أي شئ من سياقه وتحميله ما لا يحتمل بنية جعلك شخص سئ وللتحريض عليك هو لؤم وخبث وإن كانت وسائله عرفا لا مشكلة فيها قانونيا، وهذا تمثيل لمقولة (ليس كل عمل قانوني هو عمل أخلاقي) وكونك تستخدم شيئا أنا نشرته لغرض ما في زمن ما في سياق محدد وتنتزعه من كل هذا بغرض تشويهي فأنت خبيث ولئيم وإن قلت لنفسك وأقنعتها خلاف ذلك. كونك ترغب بتسخير حسابك للدفاع عن الوطن فهذا عمل رائع ومدعاة للفخر ووسام تتقلده على صدرك، أما أن تستخدمني وتشوهني في هذا الدفاع المزعوم وإذا قلنا عليك خبيث ولئيم تتباكى وتقول انظروا ماذا يفعلون في من يدافع عن الوطن، فأنت خبيث ولئيم ونائح ومجرم. نعم مجرم لأن من يسبب الأذى للأشخاص ويروع أمنهم ويشوههم حتى في نظر من يحبهم لا وصف له سوى بأنه مجرم. دائما أتسائل بيني وبين نفسي حين أرى هؤلاء الأشخاص واستسهالهم الخوض في سمعة الناس وكيف يطربون لجمل مثل (كفو، ايوة اجلدهم، أصلي عليك، والله ألجمتهم) هل حقا يستحق الأمر؟ هل جمل التعزيز والريتويت والمتابعات تستحق أن تدفع ثمنا لعرض الأشخاص الذي حرمه الله وجعله أغلى عنده من الكعبة؟ وهذا مما لاحظته في سلوك هؤلاء، يخافون من المسائلات القانونية ولا يخافون من الله، نعم لا يخافون من الله لأنهم لا يخشون أذية عباده. والأعجب من هذا أنه إذا عاملهم أحد بمثل ما يعاملون به الناس تجدهم يتباكون ويجمعون حولهم المعززين ويمنشنون كل أجهزة الدولة في منظر فكاهي درامي مثير للشفقة والضحك في آن واحد، وأقول في نفسي ما أموت قلوبهم، والله إنهم جيش أموات لا فائدة ترجى من مواجهته، كيف بالله تتحدث مع من لا قيم لديه؟ مع من لا يتورع عن أذيتك وقطع رزقك ويقنع نفسه وأتباعه بأن هذا الأذى دفاع عن الوطن؟ قاتلهم الله.

ما أتمناه حقا أن يراجع الأتباع أنفسهم وأن لا يورطوا نفسهم معهم أكثر. المشكلة أن التوبة والرجوع في هذه الحالات ليست بالأمر السهل، فهناك حقوق عباد لن يضيعها الله، إذا تاب التابع عليه أن يعتذر لكل من هاجمه شخصا شخصا ليخلص حقه منه، ولكن هذا أفضل من الاستمرار مع هؤلاء الذين دأبوا على أذية الخلق والتحريض عليهم، لا تجعلوا من أنفسكم مطايا عند أحد، أعطاكم الله عقلا لتفكروا به، استخدموه. إذا وجدتم مقطعا يشوه شخصا ما لا ترتوتوه مالم تتحققوا من كل جزء منه بأنفسكم، هذه مسؤولية ويوم الحساب لن تعفوا منها بحجة أنكم اتبعتم زعماء التشويه في تويتر، كلكم ستحاسبون. وعن نفسي، وكلت الوكيل والديان سبحانه وسيقتص لي من كل هؤلاء، هو عضدي ونصيري وقد نصرني وأيدني وأعانني ولله الحمد لم يفلحوا، ولكني لست متنازلة عن حقي وموعدنا عند الديان سبحانه. أنا طبعا مع أن يأخذ الشخص حقه قانونا ونحن بفضل الله في دولة عدل وقانون، أهم شئ أن يتم ذلك بعيدا عن تويتر حتى لا يكون الأمر مجرد استعراض، ولكن الأهم أن الوعد عند رب العالمين.

ودمتم

سنة أولى أونلاين

Posted on

اليوم هو أول يوم للفصول الافتراضية. بدأت مع الشباب من اليوم السابق بديباجة نصح وإرشاد شعرت معها بأنني الشيخ الناصح الذي كانوا يجلبونه لنا في المدرسة في التسعينات الميلادية ليرهبنا وأحيانا ليرغبنا. رغبتهم بالتعليم على اعتبار أنهم جيل مسؤول وعليهم أن يستفيدوا من المتاح لهم من الفرص في هذا الوقت الصعب، ورهبتهم بأن عدم التزامهم معناه أن التاريخ سيكتب عنهم بأنهم مهملون ولم يكونوا كما يقولون (كفو). حسنا، لأكون جد صريحة معكم، كان جزءا كبيرا من رغبتي بأن يلتزموا بالدروس هو حسرتي على القسط المدرسي الذي دفعته قبل الأزمة بشهر، وهو لعمرك قسط دسم سمين ثقيل على النفس دفعته وأنا أردد لنفسي كالببغاء (التعليم استثمار التعليم التعليم استثمار)، والآن أريد أن أقطف ثمار استثماري ولو على هيئة دروس تعطى عن بعد يحضرونها بالبيجاما وهم مستلقون على .أسرتهم، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله، وعليه العوض ومنه العوض

في اليوم التالي، دخلت غرفة الأولاد الساعة ٨:٥٠ دقيقة صباحا لأبدأ ماراثون إيقاظهم لأخذ الحصص الافتراضية، وحين يكون لديك شابين أحدهما في السادسة عشر والآخر في الرابعة عشر فهذه المهمة ليست بالسهلة بتاتا، بل هي مليئة بالتحديات

“ولللللد بسرعة قوم الحصة حتبدأ” 

“ماما طيب خلاص دحين أقوم” 

“وللللللد الأستاذ حيدخل وما يلاقيكم موجودين أيش يقول عليكم” 

أقوم بالتوجه للستارة لفتحها فيعاجلني أحمد ذي السادسة عشر “ماماااااااا لو سمحتي ما تفتحي الستارة، أهو قمنا”

يقول الجملة وعيناه مازالتا مخضبتين بكل بقايا النوم الممكنة في محاولة بائسة منه لأن أصدق بأنه فعليا مستيقظ. أنظر له بتهديد ووعيد وأتوجه للستارة وأفتحها على مصراعيها في حركة أمهات معروفة. يغطي أحمد وأواب وجوههما بالغطاء فأتوجه لاستخدام سلاحي الآخر. أقترب من زر جهاز التكييف وأقوم بإطفائه بهدوء يسبق عاصفة (مامااااااا ليييييش ليييييييش تطفي المكيف؟؟ حنصحى والله حنصحى) (مامااااا والله مو حلوة حركات الأمهات هذه، طيب حنصحى وحناخد الحصة في الغرفة، لازم يعني تطفي المكيف) أتوجه لأسرتهم وأبدأ محاولات سحبهم من السرير والتي أعرف مسبقا بأنها مهمة مستحيلة مع شباب يفوقونني حجما ماشاء الله، ولكني أستمر في المحاولات حتى أراهم أمامي يتسحبون لغسل وجوههم وأسنانهم استعدادا للجلوس أمام جهاز الحاسب الآلي لبدء الحصة.

أدخل أنا المطبخ لأعد قهوتي وأعد للأولاد الفسحة. أجد نفسي قد قضيت وقتا أطول من المعتاد في المطبخ. فحتى أعد الفسحة فأنا أتفنن في الساندوتشات وكأنني أعدها للدوق أحمد واللورد أواب، وكأن ما نحن فيه حاليا ليس عزلا صحيا لمقاومة انتشار فيروس غريب مسمى بالكورونا، إنما هذه حياتنا الطبيعية كعائلة إقطاعية ارستقراطية تدرس أولادها في المنزل على يد أشهر المعلمين. وما أنا سوى الكونتيسة هتون الثانية أتنازل وأدخل المطبخ من باب التسلية في حين لدي جحافل من الخدم رهن إشارتي. ما علينا، أعد الساندوتشات وأضعها في حماصة الخبز حتى تتحمر وأستمتع بصوت السكينة وهي تقطعها معلنة قرمشتها المسيلة للعاب، أعد لهم بعض الخضار من جزر وخيار في محاولة يائسة مني لأجعل غذائهم صحيا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لطعام مريح دسم مليء بالسعرات الحرارية ويملأ العين قبل الفم. أزين لهم الأطباق، أدخل غرفهم لأتأكد أولا من أنهم يحضرون الحصة. أجد أحمد يعبث بجواله وحين يراني يرميه بحركة مفضوحة ويدعي التركيز، أقرر أن أتغاضى وأعطيه نظرة أمهاتية تشجيعية مفادها (أنتم جيل المستقبل إلى الأمام إلى الأمام). ثم أتوجه لأواب لأجده متبطحا على السرير ويحضر الحصة وهو مستلق براحة وقد وضع جهاز الحاسب المحمول فوق مخدة حتى يكون مرتاحا جدا. أجز على أسناني بغيظ وانظر له نظرة (ولد عيب عليك، أحد يحضر حصة وهوا متبطح؟؟مافي جدية؟ مافي دم وذوق؟) فينظر لي نظرة (ماما اشبك؟ مو المهم إني بأحضر؟) فأضع له الفسحة فوق المكتب محذرة إياه من الأكل فوق السرير وإلا فليبشر بالنمل متوسدا مخدته ليلا حين ينام.

أخرج من غرفتهم وأتوجه لغرفة جلوسي لأجلس على كنبتي المفضلة وقد أعددت قهوتي. دائما عندي طقوس للقهوة وهذه الطقوس زادت وأصبحت أشياء مقدسة وقت العزل المنزلي. فأنا أعد القهوة وأختار كوبا مطابق الألوان بهدوء وروية ثم أتوجه لكنبتي وأجلس لشرب القهوة مع تكملة لرواية أو حلقة من مسلسل نتفليكسي كنت قد بدأته. وأنظر أمامي لجهاز اللابتوب وأقول لنفسي (خلصي القهوة وهذه الحلقة وأبدأي على طول في كتابة حلقة المسلسل اللي بتكتبوه الآن ولازم يتسلم لشركة الإنتاج). تنتهي حلقة المسلسل النتفليكسي وأنتهي من شرب القهوة لأتذكر بأنني لم أفطر. أحزن على نفسي أن تركتها كل هذا الوقت بدون إفطار فأتوجه للمطبخ وأحمص بعض الخبز وأخرج قطعة جبنة بيضاء أضعها في الطبق، أرش عليها بعض الزعتر ثم أزينها برشة زيت زيتون مع القليل من دبس الرمان، أخلطهم جيدا وأضع الخبز الذهبي مع خلطة الجبن في صينية وأذهب لغرفة الجلوس وأجلس على الكنبة وأشغل حلقة أخرى من المسلسل النتفليكسي وأقنع نفسي بأن الإنسان يجب أن يستمتع بطعامه قبل أن يعمل بجدية. عند هذا الوقت تكون الساعة قد تجاوزت الحادية عشر والنصف، أذهب للأولاد لأتأكد من أنهم لا زالوا يدرسون ولأقوم بالقبض على المتسلل منهم، وأبدأ بالتخطيط للغداء. بالنسبة لي، وجبة الغداء هي أحد وسائلي لدفع عجلة التنمية، فقدر الملوخية الذي أصنعه يعتبر أحد وسائل الصمود والمقاومة والتحدي، وكلما زاد الثوم في (التقلية) كلما زاد الإبداع وزاد فخري بهذا القدر العظيم الذي لم يخلق مثله في البلاد، يا لحظ أبنائي بي.  ينتهي اليوم الدراسي المنزلي الساعة ٢:١٥ وبعد أن أكون قد سألتهم (صليتوا الظهر؟) مئات المرات، بعدها بقليل نجد أن العصر قد شارف على الآذان ونحن قد فقدنا الإحساس بالوقت بعد توقف صلاة الجماعة في المساجد كأحد الإجراءات الاحترازية لمحاولة احتواء فيروس كورونا. أتذكرون حين كنا نوقت حياتنا بابتداء وانتهاء الصلوات؟ قد لا يكون مر على توقف صلاة الجماعة في المساجد أسبوعا من الآن، ولكن مهلا، أحقا أنا لم أخرج من البيت طوال هذا الوقت؟ يا رباه سأنسى كيف تلبس العباءة.

ذكروني عن ماذا كنت أكتب؟ عن العزلة؟ حقا؟

%d مدونون معجبون بهذه: