خلاصة RSS

Author Archives: Hatoon

مين معانا في التصوير؟

قبل أن ابدأ، أود أن اعترف بأن شهيتي للكتابة زادت كثيرا بعد ردود الفعل على التدوينة السابقة. استغرب كثيرا ممن يقولون بأنهم لا يهتمون لردود الأفعال وأنهم يكتبون لأنفسهم. حقا؟ تضحكون على أنفسكم؟ إذا كانت لأنفسكم لماذا تنشرونها إذا؟ والله لتعليق واحد بكلام يعبر فيه صاحبه عن مدى استمتاعه بما كتبت كفيل بأن يغير مزاجك ويجعلك ذاك الكائن الذي ينظر لجواله ويبتسم ابتسامة خفية كتلك التي يبتسمها من يصله “صباح الخير، كيف يومك؟” من محبوبه الجديد. شكرا لكم جميعا.

الموقف الذي سأحكيه اليوم حصل لي خلال تصوير إحدى حلقات برنامج نون النسوة. أعتقد عام ٢٠١٦ أو ٢٠١٧ لا أذكر على وجه التحديد. صحيح وبالمناسبة، اشتقت كثيرا لنون النسوة، وأعتقد بأن دافعي الخفي لعدم الكتابة والنشر هو الاحتفاظ بالأفكار والمواضيع لبرنامج آخر أو حتى ل Stand up Comedy Special يعرض على إحدى المنصات العالمية. نعم لدي مخططات ولكنها لم تنفذ للآن، وحتى ذاك الوقت فلنكتب وننشر، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

لمن يذكر نون النسوة، كانت الحلقات مقسمة لمونولوج أقوم أنا بتأديته مع مشاهد تمثيلية تدعم موضوع الحلقة. وعادة يقوم شخص مختص من الشركة المنتجة بالتخاطب مع الممثلين ليقوموا بأداء المشاهد. أثناء تواجدي في الستديو لتصوير الحلقة، كانت المسؤولة عن مخاطبة الممثلين تحدثني عن المصاعب التي مرت بها حتى تقوم بتوفير طاقم كامل للمشاهد والتي كانت كثيرة في تلك الحلقة. وحتى أضع القارئ في الصورة، هذه الموظفة أعرفها منذ فترة، وأعرف أنها أحيانا تقول كلاما غريبا وتتصرف بطريقة قد تبدو للشخص بأنها قليلة ذوق. بالنسبة لي كانت تضحكني لأني أشعر بأن ما تقوله يميل أكثر للخفة وسوء تقدير الأمور أكثر من كونه إساءة أو قلة ذوق، حتى حصل ما حصل.

بدأت دانيا (إسم مستعار) تحكي لي عن الممثل الذي اتفقنا أن يقوم بتأدية أحد المشاهد المهمة جدا في الحلقة. أخبرتني بأنه تزوج حديثا ولازال في مرحلة شهر العسل. بالمناسبة، أحب أحيانا الطريقة التي يتصرف بها المتزوجون حديثا بالذات من صغار السن. تجده يحرص عليها كل الحرص ولا يريدها أن تغيب عن ناظريه، وهي ترغب بالاحتفاظ به لأطول فترج ممكنة تحت ناظريها وتشعر بالتهديد من أي أنثى تعبر في مجاله حتى لو كانوا في مكان مزدحم بكل الكائنات الحية. أتذكرون ذاك الزوج الظريف الذي دخلتم معه للمصعد فاختبأت الزوجة وراء زوجها ليحميها من الأوباش والأشرار والهوام؟ أتذكرون ذاك الزوج الذي بدل مكان كرسيه في المطعم ليبعد الأنظار عن عروسه الجديدة؟ هذه التصرفات وغيرها تجعلني ابتسم، فليفرحوا بأيامهم الأولى مع بعض ومع الوقت ستتغير ديناميكية العلاقة وتختلف. فلتختبأ وراءه في المصعد وليغير مكان كرسيه، المهم أن لا يتعدوا على أحد لأن وقتها سنقول لهم “خييييييييير محد اتزوج غيركم؟ اقعدوا في بيتكم اذا الكون شرير ويبغى يفرقكم عن بعض، بلى في شكل شياطينكم بطلوا هبل”.

المهم بدأت دانيا تحكي لي بأنه أتعبها كثيرا حتى يوافق. تواصلت معه في البداية ورفض لأنه عريس ولا يرغب بالتصوير. حاولت معه مرة أخرى، وخلال تلك المكالمة قام بفتح السبيكر على الهاتف حتى تسمع عروسه المكالمة. وقام بسؤالها عن تفاصيل من سيكون متواجدا من الإناث خلال التصوير لأن زوجته لا ترغب بأن يختلط مع الإناث في هذا المجال إلا بحدود ضيقة جدا.

وبدأ الحديث الكارثي

دانيا: “اتخيلي يا هتون، يكلمني ويقولي مين حيكون موجود عشان مرته ما تزعل. يعني كأنه ما يعرفك. قلتله ترى مافي ولا أحد حيكون موجود غير دكتورة هتون، يعني مو أحد مز وحلو مرتك تخاف منه”

ماذا؟

مالذي قالته هذه الحمقاء؟ هل حقا باعت المشهد للممثل بطمأنة زوجته بأن الأنثى الوحيدة التي ستكون متواجدة (والتي هي أنا) لن تشكل أي خطر أو تهديد على حياتهم الزوجية لأنها ليست مزة بما فيه الكفاية؟

يا الله لماذا أمشي في هذه الحياة وأتعثر بالحمقى الذين لا يحسنون الكلام ولا التصرف؟

نظرت لها نظرة استنكارية طويلة، وانتظرتها لتعتذر.

دانيا: أيش في يا هتون؟

هتون: دانيا، من جدك مو عارفة أيش في؟ عادي اللي قلتيه؟

دانيا: والله أيش في يا هتون مو فاهمة، أنا قلت شي زعلك؟

كان يجلس معنا أحد أعضاء الفريق، وحين قالت دانيا جملتها “أنا قلت شي زعلك” التفت لها غير مصدق كيف من الممكن لشخص أن يتمتع بهذا القدر من الحماقة وسوء تقدير الأمور.

هتون: دانيا، انت من جدك تقولي عليا كدة ومتوقعتني أنبسط؟ ترى مرة قلة ذوق، ترى مرة يزعل، غلط غلط نقول على أحد مو مز، وكمان بتحكيني؟

دانيا وقد بدأت تشعر بالورطة: هتون والله انت عارفة اني ما أقصد،

هتون: طبعا عارفة إنك ما تقصدي وبالدليل إنك بتحكيني، بس ترى عيب وقلة ذوق ويزعل،

دانيا: والله يا هتون أنا اللي كنت أقصده إنه إنت يعني ست كبيرة ومحترمة مو أحد كدة صغير وطايش

حسبي الله ونعم الوكيل؟ ماهذه الكوارث؟ قاتل الله الغباء. لماذا لا تسكت دانيا؟ لماذا هي مستمرة بالكلام؟ ألا تعي بأن عملية فتح فمها بالكلام هي عبارة عن مشروع قنبلة لا ندري أين ستضرب؟ أليس لديها قرون استشعار لما يليق وما لا يليق؟

عضو الفريق المتواجد: لا يا دانيا كدة كثير

هتون: دانيا، ليش ما تسكتي؟ ترى من جد كل ما تفتحي فمك بتخبصي أكثر

دانيا: هتون لا تزعلي مني، انت عارفة اني ما أقصد

هتون: تقصدي ولا ما تقصدي، من فضلك وقفي كلام، مو حلو التخبيص كدة ترى عيب

دانيا: والله هوا وافق الحمد لله وأنا كنت بأحكيكي عشان عارفة انت ماشاء الله فرفوشة ودمك خفيف ما تزعلي

ماشاء الله ماشاء الله. ارموا القنابل اللسانية على الفرفوشين وحين ينتحرون قولوا والله لم نكن نقصد، يا الله كم أكره الغباء. يا رب اقتل الغباء، يا رب أريد الذهاب للجنة لأن لا غباء فيها.

هتون: فرفوشة ودمي خفيف بس ترى أزعل من قلة الذوق، مين قال عادي نخبص مع الفرفوشين وكأنه ما عندهم إحساس

دانيا وقد احمر وجهها: والله آسفة يا هتون بس انت عارفة اني ما أقصد

وأخيرا اعتذرت. وحقيقة بعد اعتذارها لم أكن أرغب بأن تفتح فمها أمامي مرة أخرى.

وصورنا الحلقة. وعاد العريس لعروسه سليما معافى ولم تأكله الذئاب ولم يمسسه سوء من الست الكبيرة التي صور معها.

مقاسك كبيييييييييييييير

حصلت هذه القصة لي قبل عدة أعوام، تحديدا عام ٢٠١٤ حين كنت لازلت في معمعة دراسة الدكتوراة، وبعد أشهر قليلة من انتهاء زواجي والذي استمر ١٣ سنة. لكم أن تتخيلوا وضع النفسية ذاك الوقت، لقد كنت في حالة كئيبة حزينة لا تشبهني إطلاقا لدرجة أنني أنا نفسي مللت من نفسي. صدف وقتها أن جاءت شقيقتي لقضاء الصيف معنا في بريطانيا. وللحق فقد ساهمت زيارتها لحد كبير في التخفيف من آثار الكائن الكئيب الذي كنته وقتها، وبدأت أستعيد مرحي وإقبالي على الحياة. للحق أيضا، الدراما لا تليق بي فقد كنت أبحث عن أسباب لإنهاء تلك الحالة ووجدت في مجئ شقيقتي ضالتي حيث انشغلت بترتيب الرحلة وحجز الأماكن مع استمرارية عملي في مطحنة الدكتوراة والكتابة ومقابلات المشرف. وفي خضم كل هذا، أتاني وقتها اتصال من قناة MBC بدعوة استضافة في برنامج “كلام نواعم” والذي يتم تصويره في استديوهات القناة في بيروت. يا لسعادتك يا هتون. ها قد اكتملت أركان خطة علاجك من حالة الحزن والكآبة التي رافقتك منذ بداية هذا العام. ستذهبين لبيروت وسيتم استقبالك استقبال الفاتحين. تخيلت لحظة وصولي للمطار وكيف سيقابلني اللبنانيون والمعروفون بلسانهم المعسول، فهذا سيقول لك “هلا ست هاتون، نورتي الدني” والآخر سيحمل حقيبتي ويقول “ولو عنك ست هاتون، ما تعزبي حالك” والآخر سيقول “تكرم عينك ستنا”. نعم نعم نعم، هذا ما أحتاجه الآن، كلام لطيف عذب ظريف، وإن صحبه غزل خفيف تسمح به حالتي الحديثة كإمرأة عزباء في عز شبابها ولكنها في نفس الوقت مكية عتيدة فلا بأس بالطبع، فما الضير من بعض “عيونك كتير حلوين ماشاء الله حولك” أو “كثير مهضومة اسم الله عليك، وحلوة كمان؟” المهم أنني سأذهب لبيروت وستكرم عيني وسيكون هناك من يتمنى بأن “أقبر قلبه”، يا للسعادة.

جهزت حقيبتي واخترت ثلاثة أطقم مختلفة للمقابلة. رغبت بأن يكون لدي عدة خيارات فملأت الحقيبة بالملابس والأحذية والحجابات بطريقة يخيل لحامل الحقيبة أنني أتيت لأقضي عدة أشهر في بلد الأرز حيث تكرم العيون وليس ٢٤ ساعة لإجراء مقابلة. المهم أن شعاري وقتها كان “خدي كل شي معاكي، يمكن تخرجي بعد المقابلة مع المذيعات، طيب يمكن تتعزمي عزومة مكلفة، هيا خدي كل شي”، وفعلا لم أدع مجالا لأي شك ولم أترك شيئا احتمال أن احتياجي له قد لا يتجاوز الصفر في المئة إلا وأخذته.

ذهبت للمطار وركبت الطائرة وقضيت الساعات الست في خيالات لذيذة عن بيروت وجمال بيروت وعن ماذا سأفعل في المقابلة وكيف ستكون. كانت تلك بالطبع أول زيارة لي لستديوهات MBC في بيروت وأول زيارة لي للبنان، قبل أن أتعاقد معهم بعد ذلك بسنتين على تقديم فقرة ثابتة في البرنامج.

المهم وصلت مطار بيروت ونزلت من الطائرة وتجاوزت منطقة الجوازات والتي لم تكن التجربة فيها سلسة. كان الطابور طويلا جدا والتقسيمات عجيبة. فهذا طابور للبنانيين، وذاك للمهجرين، والآخر للمهجرين الداخلين بجوازات لبنانية، وآخر لحاملي التأشيرات، كل هذا في قاعة صغيرة. جاء دوري وناولت جوازي لموظف المطار وابتسمت له ابتسامة الشخص المقبل على الحياة. لم ير ابتسامتي لأنه كان منغمسا في عمله، ختم جوازي وأعطاني إياه ونادى على المسافر التالي. ماهذا يا هتون؟ أين “نورتي الدني ست هاتون”؟ حسنا لا تبالغي، هو موظف متعب ووراءه خدمة الكثير من المسافرين. فقط تجاوزي هذه النقطة وخذي حقيبتك ولك البشرى. ذهبت لاستلام الحقيبة، ووقفت مع الواقفين انتظر.

وانتظرت،

،انتظرت،

وانتظرت ولا أثر للحقيبة.

أتعرفون تلك اللحظة في المطارات حين ينفض من حولك كل المسافرين جارين حقائبهم وتظل هناك حقيبتين أو ثلاثة تمران أمامك وأنت في كل مرة تتمنى أن تتبدل بقدرة قادر وتصبح واحدة منهما هي حقيبتك المنتظرة؟ كان هذا وضعي. مرت أكثر من نصف ساعة ولا أثر للحقيبة. يا ويلك يا هتون. لقد فقدت حقيبتك. ماذا عن أرتال الملابس داخلها؟ هل الحقيبة ضائعة هنا في بيروت أم لم تركب الطائرة معي من الأساس؟ دار عقلي وقتها ونسيت إكرام العين وقبر القلب وأصبح تركيزي كله منصبا على الحقيبة الضائعة. بدأت محاولات البحث عن مكان الاستفسار عن الحقائب الضائعة، ذهبت هناك واستقبلني الموظف

“اتفضلي حجة، بدك تسألي عن شي؟”.

فجأة نسيت الحقيبة الضائعة ونسيت كلام نواعم ونسيت كل شئ، هل ناداني الموظف “حجة”؟ ماذا؟ أنا الشابة الغندورة العزباء حديثا “حجة”؟ ماهذا الهراء؟ كيف يجرؤ؟ كيف أتصرف الآن وأرد الإهانة؟ وجدت نفسي أرد بهدوء

” أنا إسمي هتون، شنطتي ضاعت وأبغى أعرف فينها لو سمحت وضروري أعرف الآن، أنا جالسة فقط ٢٤ ساعة وأحتاج الشنطة فورا”

نظر إلي بتفهم “ايه حجة هلأ راح شوف لإلك وين ممكن تكون”. يا للهول، هو مصر على “حجة”، ولكن لماذا؟ مالذي فعلته حتى أكون تلك “الحجة”؟ هل فعلا أبدو كحجة؟وحتى يفهمني من يقرأ ويستوعب لماذا أنا مصدومة، في ثقافتي المكية “حجة” تطلق على المرأة العجوز، وأنا هنا لست عجوزا أبدا. 

بعد عناء البحث والمحاولات، أبلغني الموظف بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها قد تصل في الرحلة القادمة بعد حوالي ٦ ساعات. يا الله ست ساعات؟ هذا معناه أنني سأذهب للفندق دون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. يا الله ولكن مهلا، لعلها ستصل بعد ساعات وسيكون هناك إكرام عين وستنا هاتون وسأصور البرنامج بالطقم الذي أرغبه والحياة جميلة وحلوة. وماذا عن ما ناداكي حجة؟ لا مشكلة يا هتون، لعله صغير ولا يفهم في هذه الأمور. الوقت الآن متأخر جدا والسائق ينتظرني بالخارج، فلأذهب للفندق وكما يقولون، شمس تطلع خبر يبان.

خرجت للصالة الخارجية وبحثت عن إسمي والذي من المفترض أن يكون مكتوبا على لوحة يحملها السائق، وجدت لوحة مكتوبا عليها “هاتون الكادي”، حسنا لا بد أنها أنا، صحيح أنني “هتون قاضي” ولكن لا مشكلة المهم أن هناك سائقا وسيارة. استقبلني السائق بحفاوة “أهلا وسهلا حجة، الحمد لله على السلامة، نورتي بيروت”

يا الله ما هذا الهراء الذي يحصل معي؟ نعم كنت منتظرة لأن أنور بيروت ولكن ليس كحجة، لا لا لا أنا لا أقبل هذا. من الذي سلطهم علي بهذه الطريقة؟ هل هناك تعميم رسمي علي “حين تصل هتون لبيروت فلينادها الجميع حجة، هذا أمر”. 

ركبت السيارة وقطعت الطريق من المطار للفندق وأنا أفكر في الحقيبة الضائعة وفي وضعي الحالي كحجة.

وصلت الفندق وتدبرت أمري بدون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. نمت قليلا واستيقظت لأذهب للمطار. حاولت الاتصال بالأمانات في المطار عدة مرات للتأكد من وصول الحقيبة قبل أن أتكبد عناء الذهاب ولكن لم أفلح. نزلت للبهو وطلبت سيارة أجرة، ركبتها والتفت لي السائق “أهلا وسهلا حجة، وين بدك تروحي؟بوديكي تكرم عينك”. امتلأت أعماقي باليأس. فهأنذا في عاصمة الكلام المعسول بيروت، استقبل كلام طيبا مشفوعا بحجة وحقيبتي ضائعة، أصبحت فعليا مثل العندليب الأسمر في أغنية “فاتت جنبنا” حين وصف اضطرابه بجملة “فرحان عايز أضحك، مهموم عايز أبكي”.

وصلت المطار وبدأت محاولاتي البائسة بإيجاد حقيبتي، أو على الأقل لأعرف مصيرها. علمت بعد جهود جهيدة وبعد التنقل بين عدة مكاتب أمنية بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها ستغادر في الرحل القادمة.

وانقلبت محاولات إيجاد الحقيبة لمحاولات إبقاءها في مانشستر لاستلمها من المطار حال عودتي، وأصبح علي أن أواجه الحقيقة المرة، أنت يا هتون بلا ملابس للمقابلة.

ماذا عساي أن أفعل الآن؟ ماذا أرتدي؟ الساعة الآن الواحدة ظهرا وموعدي للتصوير الخامسة عصرا، هل هناك وقت لتدبير أمر الملابس؟ هل سأجد أصلا شيئا مناسبا؟ أنا شخص أكره التسوق وتصيبني متلازمة غريبة في السوق. أنا أنزل السوق بكامل قواي العقلية لأشتري شيئا أحتاجه، وفجأة داخل السوق أصاب بصداع وتغبيش في الرؤية ووقتها تتشابه في نظري كل الملابس والمعروضات وأراها مع كثرتها تحاول الهجوم علي فأمسك بتلابيبي وأسرع لأقرب مقهى وأجلس لألتقط أنفاسي وأشرب كوبا من القهوة، وغالبا بعدها أعود للمنزل. كيف لي أن أتسوق في مدينة لا أعرفها؟ كيف سأضمن أن لا تهاجمني المتلازمة قبل أن أجد شيئا مناسبا؟ يا رب العون والمدد من عندك.

خرجت من المطار مع سائق الأجرة، والذي رغم مناداته لي بحجة إلا أنه كان طيبا وأصر ألا يتركني حتى يعيدني للفندق. سألته في السيارة عن مركز تسوق مناسب، أجاب بلا تردد “هلأ بوديكي عشارع الحمرا، كثير حلو وبتلاقي كل شي فيه”.

لم أحاول أبدا التأكد من أهلية شارع الحمرا للتسوق. فأنا في وضع غريب. حجة حقيبتها ضائعة ولديها مقابلة تلفزيونية في بلد تزوره لأول مرة، كيف لي أن أفكر أو أتأكد من شارع الحمرا؟ المهم قادني السائق وأوصلني لشارع الحمرا، وأنا في السيارة صرت أتطلع يمينا ويسارا على المحلات. لم يرتح قلبي للمحلات. أغلبها صغيرة بمانيكانات يرتدين باروكات ملونة ويلبسن ملابس تنتمي للثمانينات الميلادية. مررت أيضا ببعض المحلات الحديثة ولكن غالبيتها للملابس الكاجوال والتي لن تليق بالمقابلة بأي حال من الأحوال. أنزلني السائق في الشارع وأرشدني لطريق العودة للفندق. وقفت في وسط الشارع ورأسي يدور. من أين أبدأ؟ لماذا لم أحجز طائرة وأعود لمانشستر واعتذر عن المقابلة؟ ماذا أفعل إن لم أجد ملابس؟ أصبحت أمشي في الشارع وأتلفت يمنة ويسرة، فجأة وجدت محلا لنوعية ملابس لا يستغني عنها أحد (بدون تفاصيل كثيرة)، وتذكرت أنني يجب أن أشتري ما أحتاجه منها، وملابس اللقاء ستتدبر، فلنضمن شيئا على الأقل. على واجهة المحل كانت هناك ملصقات لماركات مشهورة لهذه النوعية من الملابس، مما زاد من رغبتي بدخول المحل والذي كان يبدو صغيرا من الخارج ولتدخله فعليك بالمرور من ممر ضيق وتنزل عدة درجات وبعدها تقتح الباب وتدخل المحل. دخلت للمحل ووجدت أمامي دواليب مرصوصة ببضاعة مرتبة ومصفوفة بعناية، هذه الطريقة في العرض كانت سائدة في الماضي ويتحتم عليك إذا أردت معاينة قطعة أن تطلب من البائع/ة أن يريك إياها بطريقة يخيل لك فيها أنك تشتري ذهبا وليس قطع ملابس يومية.

في وسط المحل كانت هناك سيدتان من الواضح أنهما شقيقتان، كانت الصغرى منهم تبلغ المئة من عمرها والأخرى مئة وخمسة على أقرب تقدير. شعرت بأنني في محل كيوت تديره سيدتان وكالعادة دخلت تسبقني ابتسامتي (نعم أبتسم حتى في السوق قبل أن تهاجمني المتلازمة وأهرب)، وفجأة عاجلتني إحدى الأختين (أهلا وسهلا فيك، شو بدك؟ بدك ثياب من عندنا؟ أكيد بدك، مقاسك؟ أكيد مقاسك كبيييير، اتطمني ما تعتلي هم، عندي).

ماذا؟

الحجة ذات المقاس الكبييييييييير

ماذا قالت هذه السيدة للتو؟

هل نعتت مقاسي بالكبير؟ هي حتى لم تسألني عن مقاسي وقفزت للنتيجة من نظرة سريعة أشك في دقتها، ثم ماذا تقصد بالمقاس الكبييييييير؟ يا الله ماذا أفعل الآن؟ أنا في بيروت الآن حجة مقاسها كبييييير.

وأنا في خضم أفكاري وجدتها تقودني لأحد الدواليب وتخرج ملابس كبيرة جدا وتمسكها بطريقة مضحكة لتبين لي مدى كبرها وتقول لي “شوفي هيدا، أكيد مقاسك، هيدا أكبر شي عندي”، هززت رأسي دون أن أتكلم والتفت لأنظر لدولاب آخر من المعروضات، وجدتها فجأة تصرخ “لأ لأ لأ ما تتطلعي هون مافي مقاسك كله هون صغير، إنت مقاسك كبيييير اتطلعي بس هون”

قاتلك الله من امرأة. ما أدراكي لعلي أرغب بشراء هدية. ربما أنا شخص يهوى تجميع الملابس ذات المقاس الصغير؟ ما دخلك أنت في ما تراه عيناي؟ 

والغريب في كل هذا أن شقيقتها (على افتراض أنها شقيقتها) لم تتكلم و لم تقل لها “عيب هيك، المخلوقة بدها تشتري، أعطيها المقاس اللي بتقولك عليه بلا غلاظة وقلة تقدير”،ولكنها التزمت تماما بالصمت. هل تراها كانت متواطئة معها؟ هل التعميم بأن أنادى حجة في بيروت أتبعه تعميم بأن يتم نعت مقاسي بالكبييييير حتى تكتمل أركان تعاستي؟ مالذي يحدث لي هنا؟ أخرجوني من هذا البلد ذي المقاس الصغير.

حقيقة لا أعرف لماذا لم أخرج. استمريت معها. أخرجت لي قطع ملابس ديناصورية الحجم، أخبرتها بأن هذا ليس مقاسي وأن مقاسي الحقيقي لهذا النوع من الملابس هو كذا. تطلعت في وجهي باستغراب وعاجلتني “لأ لأ لأ هيدا منو مقاسك هيدا مقاس صغير، إنت مقاسك كبيييييير”. يا الله ما هذا التسلط؟ يا امرأة هذا جسدي، ماذا أقول لك؟ هل أبرر لك بأن لدي كثرة إنتاج وسوء توزيع؟ هل أخبرك بتاريخي العائلي وأرقام وزني ومستوى العضلات والدهون في الجسم؟ حسبي الله عليك من امرأة. ألا تعين بأن مقابلتك لخالقك اقتربت؟ ماذا ستقولين لله؟ هل ستقولين له “سامحني يا الله. جاءتني امرأة تحلم ب “تكرم عينك” وقلت لها “مقاااااسك كبيييييير” وكسرت خاطرها فاغفر لي يا الله؟”. شخصيا أنا سأخبر الله بكل شئ.

لا أدري كيف اخترت الملابس وكيف أكملت عملية الشراء. دفعت الحساب وهممت بالخروج، ابتسمت لي وقتها وقالت “انت أكيد عندك ولاد، أكيد ولادك كبار، بس ماشاء الله عليك مهضومة”

ماشاء الله عليك يا هتون، الآن أصبحت حجة مقاسك كبير وعجوز، ماذا بقي يا بيروت؟ هل أتمسك بكلمة “مهضومة” وأتغاضى عن الباقي بدعوى التفاؤل ورؤية الجزء الممتلئ من الكأس؟ حسبي الله ونعم الوكيل.

خرجت من المحل وأنا لا أرى ما حولي. قررت فجأة أن أجري المقابلة بملابسي التي أتيت بها من مانشستر وأن أحكي عن ضياع الحقيبة في بداية المقابلة. أجريت المقابلة والتي كانت ممتازة جدا وعدت أدراجي لمانشستر كحجة مقاسها كبير وبدون أن يتمنى أحد أن أقبر قلبه ولا حتى كذبا. وعلمت لاحقا أن مناداتي بحجة كانت لأنني أرتدي الحجاب.

المهم أنني بعدها قررت خفض سقف توقعاتي للصفر،

ومن أي شئ.

تحياتي،

هتون التي مقاسها كان كبيييييير

%d مدونون معجبون بهذه: