خلاصة RSS

Author Archives: Hatoon

مقاسك كبيييييييييييييير

حصلت هذه القصة لي قبل عدة أعوام، تحديدا عام ٢٠١٤ حين كنت لازلت في معمعة دراسة الدكتوراة، وبعد أشهر قليلة من انتهاء زواجي والذي استمر ١٣ سنة. لكم أن تتخيلوا وضع النفسية ذاك الوقت، لقد كنت في حالة كئيبة حزينة لا تشبهني إطلاقا لدرجة أنني أنا نفسي مللت من نفسي. صدف وقتها أن جاءت شقيقتي لقضاء الصيف معنا في بريطانيا. وللحق فقد ساهمت زيارتها لحد كبير في التخفيف من آثار الكائن الكئيب الذي كنته وقتها، وبدأت أستعيد مرحي وإقبالي على الحياة. للحق أيضا، الدراما لا تليق بي فقد كنت أبحث عن أسباب لإنهاء تلك الحالة ووجدت في مجئ شقيقتي ضالتي حيث انشغلت بترتيب الرحلة وحجز الأماكن مع استمرارية عملي في مطحنة الدكتوراة والكتابة ومقابلات المشرف. وفي خضم كل هذا، أتاني وقتها اتصال من قناة MBC بدعوة استضافة في برنامج “كلام نواعم” والذي يتم تصويره في استديوهات القناة في بيروت. يا لسعادتك يا هتون. ها قد اكتملت أركان خطة علاجك من حالة الحزن والكآبة التي رافقتك منذ بداية هذا العام. ستذهبين لبيروت وسيتم استقبالك استقبال الفاتحين. تخيلت لحظة وصولي للمطار وكيف سيقابلني اللبنانيون والمعروفون بلسانهم المعسول، فهذا سيقول لك “هلا ست هاتون، نورتي الدني” والآخر سيحمل حقيبتي ويقول “ولو عنك ست هاتون، ما تعزبي حالك” والآخر سيقول “تكرم عينك ستنا”. نعم نعم نعم، هذا ما أحتاجه الآن، كلام لطيف عذب ظريف، وإن صحبه غزل خفيف تسمح به حالتي الحديثة كإمرأة عزباء في عز شبابها ولكنها في نفس الوقت مكية عتيدة فلا بأس بالطبع، فما الضير من بعض “عيونك كتير حلوين ماشاء الله حولك” أو “كثير مهضومة اسم الله عليك، وحلوة كمان؟” المهم أنني سأذهب لبيروت وستكرم عيني وسيكون هناك من يتمنى بأن “أقبر قلبه”، يا للسعادة.

جهزت حقيبتي واخترت ثلاثة أطقم مختلفة للمقابلة. رغبت بأن يكون لدي عدة خيارات فملأت الحقيبة بالملابس والأحذية والحجابات بطريقة يخيل لحامل الحقيبة أنني أتيت لأقضي عدة أشهر في بلد الأرز حيث تكرم العيون وليس ٢٤ ساعة لإجراء مقابلة. المهم أن شعاري وقتها كان “خدي كل شي معاكي، يمكن تخرجي بعد المقابلة مع المذيعات، طيب يمكن تتعزمي عزومة مكلفة، هيا خدي كل شي”، وفعلا لم أدع مجالا لأي شك ولم أترك شيئا احتمال أن احتياجي له قد لا يتجاوز الصفر في المئة إلا وأخذته.

ذهبت للمطار وركبت الطائرة وقضيت الساعات الست في خيالات لذيذة عن بيروت وجمال بيروت وعن ماذا سأفعل في المقابلة وكيف ستكون. كانت تلك بالطبع أول زيارة لي لستديوهات MBC في بيروت وأول زيارة لي للبنان، قبل أن أتعاقد معهم بعد ذلك بسنتين على تقديم فقرة ثابتة في البرنامج.

المهم وصلت مطار بيروت ونزلت من الطائرة وتجاوزت منطقة الجوازات والتي لم تكن التجربة فيها سلسة. كان الطابور طويلا جدا والتقسيمات عجيبة. فهذا طابور للبنانيين، وذاك للمهجرين، والآخر للمهجرين الداخلين بجوازات لبنانية، وآخر لحاملي التأشيرات، كل هذا في قاعة صغيرة. جاء دوري وناولت جوازي لموظف المطار وابتسمت له ابتسامة الشخص المقبل على الحياة. لم ير ابتسامتي لأنه كان منغمسا في عمله، ختم جوازي وأعطاني إياه ونادى على المسافر التالي. ماهذا يا هتون؟ أين “نورتي الدني ست هاتون”؟ حسنا لا تبالغي، هو موظف متعب ووراءه خدمة الكثير من المسافرين. فقط تجاوزي هذه النقطة وخذي حقيبتك ولك البشرى. ذهبت لاستلام الحقيبة، ووقفت مع الواقفين انتظر.

وانتظرت،

،انتظرت،

وانتظرت ولا أثر للحقيبة.

أتعرفون تلك اللحظة في المطارات حين ينفض من حولك كل المسافرين جارين حقائبهم وتظل هناك حقيبتين أو ثلاثة تمران أمامك وأنت في كل مرة تتمنى أن تتبدل بقدرة قادر وتصبح واحدة منهما هي حقيبتك المنتظرة؟ كان هذا وضعي. مرت أكثر من نصف ساعة ولا أثر للحقيبة. يا ويلك يا هتون. لقد فقدت حقيبتك. ماذا عن أرتال الملابس داخلها؟ هل الحقيبة ضائعة هنا في بيروت أم لم تركب الطائرة معي من الأساس؟ دار عقلي وقتها ونسيت إكرام العين وقبر القلب وأصبح تركيزي كله منصبا على الحقيبة الضائعة. بدأت محاولات البحث عن مكان الاستفسار عن الحقائب الضائعة، ذهبت هناك واستقبلني الموظف

“اتفضلي حجة، بدك تسألي عن شي؟”.

فجأة نسيت الحقيبة الضائعة ونسيت كلام نواعم ونسيت كل شئ، هل ناداني الموظف “حجة”؟ ماذا؟ أنا الشابة الغندورة العزباء حديثا “حجة”؟ ماهذا الهراء؟ كيف يجرؤ؟ كيف أتصرف الآن وأرد الإهانة؟ وجدت نفسي أرد بهدوء

” أنا إسمي هتون، شنطتي ضاعت وأبغى أعرف فينها لو سمحت وضروري أعرف الآن، أنا جالسة فقط ٢٤ ساعة وأحتاج الشنطة فورا”

نظر إلي بتفهم “ايه حجة هلأ راح شوف لإلك وين ممكن تكون”. يا للهول، هو مصر على “حجة”، ولكن لماذا؟ مالذي فعلته حتى أكون تلك “الحجة”؟ هل فعلا أبدو كحجة؟وحتى يفهمني من يقرأ ويستوعب لماذا أنا مصدومة، في ثقافتي المكية “حجة” تطلق على المرأة العجوز، وأنا هنا لست عجوزا أبدا. 

بعد عناء البحث والمحاولات، أبلغني الموظف بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها قد تصل في الرحلة القادمة بعد حوالي ٦ ساعات. يا الله ست ساعات؟ هذا معناه أنني سأذهب للفندق دون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. يا الله ولكن مهلا، لعلها ستصل بعد ساعات وسيكون هناك إكرام عين وستنا هاتون وسأصور البرنامج بالطقم الذي أرغبه والحياة جميلة وحلوة. وماذا عن ما ناداكي حجة؟ لا مشكلة يا هتون، لعله صغير ولا يفهم في هذه الأمور. الوقت الآن متأخر جدا والسائق ينتظرني بالخارج، فلأذهب للفندق وكما يقولون، شمس تطلع خبر يبان.

خرجت للصالة الخارجية وبحثت عن إسمي والذي من المفترض أن يكون مكتوبا على لوحة يحملها السائق، وجدت لوحة مكتوبا عليها “هاتون الكادي”، حسنا لا بد أنها أنا، صحيح أنني “هتون قاضي” ولكن لا مشكلة المهم أن هناك سائقا وسيارة. استقبلني السائق بحفاوة “أهلا وسهلا حجة، الحمد لله على السلامة، نورتي بيروت”

يا الله ما هذا الهراء الذي يحصل معي؟ نعم كنت منتظرة لأن أنور بيروت ولكن ليس كحجة، لا لا لا أنا لا أقبل هذا. من الذي سلطهم علي بهذه الطريقة؟ هل هناك تعميم رسمي علي “حين تصل هتون لبيروت فلينادها الجميع حجة، هذا أمر”. 

ركبت السيارة وقطعت الطريق من المطار للفندق وأنا أفكر في الحقيبة الضائعة وفي وضعي الحالي كحجة.

وصلت الفندق وتدبرت أمري بدون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. نمت قليلا واستيقظت لأذهب للمطار. حاولت الاتصال بالأمانات في المطار عدة مرات للتأكد من وصول الحقيبة قبل أن أتكبد عناء الذهاب ولكن لم أفلح. نزلت للبهو وطلبت سيارة أجرة، ركبتها والتفت لي السائق “أهلا وسهلا حجة، وين بدك تروحي؟بوديكي تكرم عينك”. امتلأت أعماقي باليأس. فهأنذا في عاصمة الكلام المعسول بيروت، استقبل كلام طيبا مشفوعا بحجة وحقيبتي ضائعة، أصبحت فعليا مثل العندليب الأسمر في أغنية “فاتت جنبنا” حين وصف اضطرابه بجملة “فرحان عايز أضحك، مهموم عايز أبكي”.

وصلت المطار وبدأت محاولاتي البائسة بإيجاد حقيبتي، أو على الأقل لأعرف مصيرها. علمت بعد جهود جهيدة وبعد التنقل بين عدة مكاتب أمنية بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها ستغادر في الرحل القادمة.

وانقلبت محاولات إيجاد الحقيبة لمحاولات إبقاءها في مانشستر لاستلمها من المطار حال عودتي، وأصبح علي أن أواجه الحقيقة المرة، أنت يا هتون بلا ملابس للمقابلة.

ماذا عساي أن أفعل الآن؟ ماذا أرتدي؟ الساعة الآن الواحدة ظهرا وموعدي للتصوير الخامسة عصرا، هل هناك وقت لتدبير أمر الملابس؟ هل سأجد أصلا شيئا مناسبا؟ أنا شخص أكره التسوق وتصيبني متلازمة غريبة في السوق. أنا أنزل السوق بكامل قواي العقلية لأشتري شيئا أحتاجه، وفجأة داخل السوق أصاب بصداع وتغبيش في الرؤية ووقتها تتشابه في نظري كل الملابس والمعروضات وأراها مع كثرتها تحاول الهجوم علي فأمسك بتلابيبي وأسرع لأقرب مقهى وأجلس لألتقط أنفاسي وأشرب كوبا من القهوة، وغالبا بعدها أعود للمنزل. كيف لي أن أتسوق في مدينة لا أعرفها؟ كيف سأضمن أن لا تهاجمني المتلازمة قبل أن أجد شيئا مناسبا؟ يا رب العون والمدد من عندك.

خرجت من المطار مع سائق الأجرة، والذي رغم مناداته لي بحجة إلا أنه كان طيبا وأصر ألا يتركني حتى يعيدني للفندق. سألته في السيارة عن مركز تسوق مناسب، أجاب بلا تردد “هلأ بوديكي عشارع الحمرا، كثير حلو وبتلاقي كل شي فيه”.

لم أحاول أبدا التأكد من أهلية شارع الحمرا للتسوق. فأنا في وضع غريب. حجة حقيبتها ضائعة ولديها مقابلة تلفزيونية في بلد تزوره لأول مرة، كيف لي أن أفكر أو أتأكد من شارع الحمرا؟ المهم قادني السائق وأوصلني لشارع الحمرا، وأنا في السيارة صرت أتطلع يمينا ويسارا على المحلات. لم يرتح قلبي للمحلات. أغلبها صغيرة بمانيكانات يرتدين باروكات ملونة ويلبسن ملابس تنتمي للثمانينات الميلادية. مررت أيضا ببعض المحلات الحديثة ولكن غالبيتها للملابس الكاجوال والتي لن تليق بالمقابلة بأي حال من الأحوال. أنزلني السائق في الشارع وأرشدني لطريق العودة للفندق. وقفت في وسط الشارع ورأسي يدور. من أين أبدأ؟ لماذا لم أحجز طائرة وأعود لمانشستر واعتذر عن المقابلة؟ ماذا أفعل إن لم أجد ملابس؟ أصبحت أمشي في الشارع وأتلفت يمنة ويسرة، فجأة وجدت محلا لنوعية ملابس لا يستغني عنها أحد (بدون تفاصيل كثيرة)، وتذكرت أنني يجب أن أشتري ما أحتاجه منها، وملابس اللقاء ستتدبر، فلنضمن شيئا على الأقل. على واجهة المحل كانت هناك ملصقات لماركات مشهورة لهذه النوعية من الملابس، مما زاد من رغبتي بدخول المحل والذي كان يبدو صغيرا من الخارج ولتدخله فعليك بالمرور من ممر ضيق وتنزل عدة درجات وبعدها تقتح الباب وتدخل المحل. دخلت للمحل ووجدت أمامي دواليب مرصوصة ببضاعة مرتبة ومصفوفة بعناية، هذه الطريقة في العرض كانت سائدة في الماضي ويتحتم عليك إذا أردت معاينة قطعة أن تطلب من البائع/ة أن يريك إياها بطريقة يخيل لك فيها أنك تشتري ذهبا وليس قطع ملابس يومية.

في وسط المحل كانت هناك سيدتان من الواضح أنهما شقيقتان، كانت الصغرى منهم تبلغ المئة من عمرها والأخرى مئة وخمسة على أقرب تقدير. شعرت بأنني في محل كيوت تديره سيدتان وكالعادة دخلت تسبقني ابتسامتي (نعم أبتسم حتى في السوق قبل أن تهاجمني المتلازمة وأهرب)، وفجأة عاجلتني إحدى الأختين (أهلا وسهلا فيك، شو بدك؟ بدك ثياب من عندنا؟ أكيد بدك، مقاسك؟ أكيد مقاسك كبيييير، اتطمني ما تعتلي هم، عندي).

ماذا؟

الحجة ذات المقاس الكبييييييييير

ماذا قالت هذه السيدة للتو؟

هل نعتت مقاسي بالكبير؟ هي حتى لم تسألني عن مقاسي وقفزت للنتيجة من نظرة سريعة أشك في دقتها، ثم ماذا تقصد بالمقاس الكبييييييير؟ يا الله ماذا أفعل الآن؟ أنا في بيروت الآن حجة مقاسها كبييييير.

وأنا في خضم أفكاري وجدتها تقودني لأحد الدواليب وتخرج ملابس كبيرة جدا وتمسكها بطريقة مضحكة لتبين لي مدى كبرها وتقول لي “شوفي هيدا، أكيد مقاسك، هيدا أكبر شي عندي”، هززت رأسي دون أن أتكلم والتفت لأنظر لدولاب آخر من المعروضات، وجدتها فجأة تصرخ “لأ لأ لأ ما تتطلعي هون مافي مقاسك كله هون صغير، إنت مقاسك كبيييير اتطلعي بس هون”

قاتلك الله من امرأة. ما أدراكي لعلي أرغب بشراء هدية. ربما أنا شخص يهوى تجميع الملابس ذات المقاس الصغير؟ ما دخلك أنت في ما تراه عيناي؟ 

والغريب في كل هذا أن شقيقتها (على افتراض أنها شقيقتها) لم تتكلم و لم تقل لها “عيب هيك، المخلوقة بدها تشتري، أعطيها المقاس اللي بتقولك عليه بلا غلاظة وقلة تقدير”،ولكنها التزمت تماما بالصمت. هل تراها كانت متواطئة معها؟ هل التعميم بأن أنادى حجة في بيروت أتبعه تعميم بأن يتم نعت مقاسي بالكبييييير حتى تكتمل أركان تعاستي؟ مالذي يحدث لي هنا؟ أخرجوني من هذا البلد ذي المقاس الصغير.

حقيقة لا أعرف لماذا لم أخرج. استمريت معها. أخرجت لي قطع ملابس ديناصورية الحجم، أخبرتها بأن هذا ليس مقاسي وأن مقاسي الحقيقي لهذا النوع من الملابس هو كذا. تطلعت في وجهي باستغراب وعاجلتني “لأ لأ لأ هيدا منو مقاسك هيدا مقاس صغير، إنت مقاسك كبيييييير”. يا الله ما هذا التسلط؟ يا امرأة هذا جسدي، ماذا أقول لك؟ هل أبرر لك بأن لدي كثرة إنتاج وسوء توزيع؟ هل أخبرك بتاريخي العائلي وأرقام وزني ومستوى العضلات والدهون في الجسم؟ حسبي الله عليك من امرأة. ألا تعين بأن مقابلتك لخالقك اقتربت؟ ماذا ستقولين لله؟ هل ستقولين له “سامحني يا الله. جاءتني امرأة تحلم ب “تكرم عينك” وقلت لها “مقاااااسك كبيييييير” وكسرت خاطرها فاغفر لي يا الله؟”. شخصيا أنا سأخبر الله بكل شئ.

لا أدري كيف اخترت الملابس وكيف أكملت عملية الشراء. دفعت الحساب وهممت بالخروج، ابتسمت لي وقتها وقالت “انت أكيد عندك ولاد، أكيد ولادك كبار، بس ماشاء الله عليك مهضومة”

ماشاء الله عليك يا هتون، الآن أصبحت حجة مقاسك كبير وعجوز، ماذا بقي يا بيروت؟ هل أتمسك بكلمة “مهضومة” وأتغاضى عن الباقي بدعوى التفاؤل ورؤية الجزء الممتلئ من الكأس؟ حسبي الله ونعم الوكيل.

خرجت من المحل وأنا لا أرى ما حولي. قررت فجأة أن أجري المقابلة بملابسي التي أتيت بها من مانشستر وأن أحكي عن ضياع الحقيبة في بداية المقابلة. أجريت المقابلة والتي كانت ممتازة جدا وعدت أدراجي لمانشستر كحجة مقاسها كبير وبدون أن يتمنى أحد أن أقبر قلبه ولا حتى كذبا. وعلمت لاحقا أن مناداتي بحجة كانت لأنني أرتدي الحجاب.

المهم أنني بعدها قررت خفض سقف توقعاتي للصفر،

ومن أي شئ.

تحياتي،

هتون التي مقاسها كان كبيييييير

الفيل في الغرفة

Posted on

كالعادة، أعود للمدونة وأنا لا أعلم كيف أبدأ. أهجرها فترة طويلة ثم أعود إليها وأجدها بانتظاري دون عتاب ولا ملامة. هي تعلم جيدا أنني ألجأ إليها إذا رغبت بالإسهاب بكلمات لا يسعها انستجرام بعدد كلماته المحدود، وبالرغم من ذلك أجدها مرحبة ومهللة، ألا ليت كل العلاقات هكذا بلا لوم ولا عتاب.

بعد هذه المقدمة والتي حاولت فيها تلطيف ما سيأتي لا حقا، أجد نفسي حائرة كيف أبدأ. ما أرغب بالحديث عنه تجنبته لوقت طويل جدا رغبة مني بتجاهله حتى ينتهي من تلقاء نفسه، ولكنه لا ينتهي حتى أصبح كالفيل في الغرفة، أراه وأشعر به ولكني أتجاهله عنوة حتى اعتدت على وجوده رغم أنه يخنقني ويكتم أنفاسي ولكني مستمرة بالتجاهل. هل تراه عدم رغبة بالمواجهة لأنه لا جدوى من ذلك، أم ترفع وحرصا مني على عدم الخوض في مهاترات لا طائل من ورائها سوى المزيد من الصداع والمصادمات الفارغة، أم هو هروب؟ حقا لا أعلم ولكن ما أعرفه يقينا أن الفيل موجود.

في الفترة الأخيرة زاد الحديث كثيرا عن الحسابات والمعرفات في تويتر والتي دأبت على نعت نفسها بالحسابات الوطنية والتي سخرت نفسها للتنبيش على الآخرين بغرض ما يسمونه هم (فضح الخونة للدفاع عن الوطن) في حين أنه في أصله أذية للناس تفضي لنتائج بالغة السوء عليهم كفقد وظيفة أو تشويه سمعة أو أقلها إن لم يفض الوضع لأذى ملموس فهو مؤذ جدا نفسيا ويجعل الشخص المستهدف في حالة من الكرب وكأنه عار الصدر أمام سيل من الأسلحة الغادرة لا ترحم ولا تعطيه فرصة لالتقاط الأنفاس.

الحديث عن هذه الحسابات معقد جدا وأعلم تماما أن لا طائل من وراءه نظرا لاختلاط الحق بالباطل فيه. من جهة، هناك مزاعم بأن هذه المعرفات هدفها الدفاع عن الوطن وحمايته من الخونة والمندسين، وبناء على هذا الإدعاء، يتبعهم الكثير بدون تفكير فيتبنون ما يقولونه دون أي تحليل أو تبين أو تقصي فتجدهم يقومون بالريتويت والتعزيز اعتقادا منهم بأنهم هكذا يحمون الوطن ويدافعون عنه. لن أخوض كثيرا في هذه السلوكيات فهي تحتاج لدراسات إنسانية عميقة لتفسير ما يفعلونه ولمحاولة فهم كيف يجمعون حولهم الأتباع والذين يسلمون عقولهم بدون تفكير. ما أستغربه حقا هو أننا لم نفق بعد من صدمات من سلم عقله لمن تبنى خطاب الدفاع عن الإسلام بالعنف وحشد الحشود والمؤيدين لدرجة أنهم وصلوا لمرحلة أن من لا يتبنى أفكارهم في الدفاع عن الإسلام فهو كافر، وهذا ما تفعله المعرفات التي تدعي بأنها وطنية، مالم تفعل ما نفعله فأنت خائن، إن لم تكتب كذا وكذا فأنت متخاذل، إذا تابعت فلان والذي يتابعه فلان الذي يقول كذا وكذا فأنت عميل مندس، وهكذا دواليك حتى أصبح هؤلاء الأتباع جيش أموات أعمى يتبنى ما يقوله ويفعله كبارهم دون أي تحليل أو منطق، وبهذا استحال تويتر لغابة.

سأتحدث عن نفسي هنا. خلال سنوات تعرضت لعدة حملات تشويه وتخوين وفي كل مرة يتم اجترار تغريدات قديمة كتبتها في وقت سابق خلال سنوات طويلة بدءا من سنة ٢٠١١ وترص بجانب بعضها بطريقة تضمن لكل من يراها أن لا يكون له رأي في من كتبها سوى (سحقا وتبا لمن كتب، ما هذا القرف). هذا عدا عن اجتزاء مقاطع من حلقات سابقة لنون النسوة من سياقها بحيث تعطي انطباعا لمن يراها بأنني أشتم فئة معينة أو استنقص منها، هذا طبعا بالإضافة لتصاميم الفيديوهات والتي يقوم أحد الأغبياء بمنتجتها والتي تربط بيني وبين أشخاص آخرين بروابط غبية جدا وغير منطقية لدرجة أنني أراها وأتعجب كيف يجتمع الغباء والتخلف مع اللؤم والشر؟ وكيف يجد هذا اللئيم من يعزز له ويقول له (كفوووو أصلي عليك). الأدهى من ذلك أن هذه الفيديوهات والتغريدات المرصوصة بجانب بعضها تروج لشخصي المتواضع كشخص مدعوم وخطر وصاحب أجندات وغير ذلك الكثير مما أقرأه وأنا مذهولة. حقا؟؟ أهذا أنا؟ أنا التي أحيانا يكون أكبر مشاريعي هو قدر بامية مطبوخ بطريقة جيدة أمثل كل هذا الخطر ولي أجندات؟ طبعا خلال هذه الحملات والتي تتبع دائما سلوكا وطريقة محددة تبدأ بأحد كبارهم والذي يقوم بقيادة وتوجيه الباقين في مهمة جعل هتون شخص سئ وقبيح. ويتورط في هذه الحملات أحيانا شخصيات معروفة وكنت أكن لهم الاحترام ثم أجدهم يورطون أنفسهم ويعرضون مصداقيتهم للتشكيك باتباعهم الأعمى لمعرفات مجهولة وأحيانا معروفة تتعنى شيطنة الشخص وتشويهه عنوة لأسباب لازلت أجهلها. خلال هذه الحملات عمدت دائما وبعد استشارة من أثق بهم لتجاهل ما يحصل واتباع فضيلة الإنحناء للعاصفة حتى تمر وهذا حتى أجنب نفسي الدخول في مهاترات لا طائل من ورائها ولا فائدة ترجى. كنا نتناقش عن ما يتوجب علي فعله فلا نجد أفضل من الهدوء حتى يمر الطوفان. أنا مع أن يتحمل الفرد مسؤوليته تجاه كل ما يفعل وأنا نفسي لا أدعي المظلومية ولا أحب لعب دور الضحية. إذا أخطأ الشخص خطأ واضحا وملموسا وكان هناك صاحب حق معروف فوجب على الشخص تحمل المسؤولية والاعتذار من صاحب الحق، أما ما يحدث في تويتر فهو أقرب للجنون. يشوهون الشخص ويطالبونه بالاعتذار لا أدري لمن لأن لا صاحب حق هنا، واذا استجاب واعتذر يرفضون اعتذاره، ولا حول ولا قوة إلا بالله. منذ أن قررت الظهور العام كنت أعي جيدا أن هناك ضرائب ستدفع. أعطتني وسائل التواصل الكثير من الحب والدعم والذين لازالا مستمرين وهذا من فضل ربي، وفي المقابل تعرضت لحملات تشويه وتخوين لا تزال مستمرة في حال قرر أحد زعماء جيش الأموات قيادة حملة جديدة. لا أرغب بالإسهاب أكثر من ذلك، قمت بتضمين كتابي (١٩٨٠، بين جيلين) والذي أصبح الآن متوفرا في المكتبات فصلا كاملا عن الأذى الالكتروني ونشرت فيه تدوينة شرحت فيها الكثير عن الفيديوهات والتغريدات التي ترص بجانب بعضها للدلالة عن مدى سوئي وخطري ،آثرت أن أجعلها مخفية هنا في المدونة ولكن قراء كتابي حين يصلون لفصل الأذى الالكتروني سيكونون قد كونوا فكرة عني تسمح لهم بالقراءة بوعي، أما هنا فهم لا يعرفونك ولا يفقهون شيئا ولكن يشاركون في أذيتك، سبحان الله.

طبعا دائما الجواب الحاضر عند هؤلاء هو (نحن ندافع عن وطننا من أمثالك ونستخدم ما كتبتيه بيدك ونشرتيه في مكان عام) وهذا طبعا حق لا يراد به سوى الباطل. اجترار أي شئ من سياقه وتحميله ما لا يحتمل بنية جعلك شخص سئ وللتحريض عليك هو لؤم وخبث وإن كانت وسائله عرفا لا مشكلة فيها قانونيا، وهذا تمثيل لمقولة (ليس كل عمل قانوني هو عمل أخلاقي) وكونك تستخدم شيئا أنا نشرته لغرض ما في زمن ما في سياق محدد وتنتزعه من كل هذا بغرض تشويهي فأنت خبيث ولئيم وإن قلت لنفسك وأقنعتها خلاف ذلك. كونك ترغب بتسخير حسابك للدفاع عن الوطن فهذا عمل رائع ومدعاة للفخر ووسام تتقلده على صدرك، أما أن تستخدمني وتشوهني في هذا الدفاع المزعوم وإذا قلنا عليك خبيث ولئيم تتباكى وتقول انظروا ماذا يفعلون في من يدافع عن الوطن، فأنت خبيث ولئيم ونائح ومجرم. نعم مجرم لأن من يسبب الأذى للأشخاص ويروع أمنهم ويشوههم حتى في نظر من يحبهم لا وصف له سوى بأنه مجرم. دائما أتسائل بيني وبين نفسي حين أرى هؤلاء الأشخاص واستسهالهم الخوض في سمعة الناس وكيف يطربون لجمل مثل (كفو، ايوة اجلدهم، أصلي عليك، والله ألجمتهم) هل حقا يستحق الأمر؟ هل جمل التعزيز والريتويت والمتابعات تستحق أن تدفع ثمنا لعرض الأشخاص الذي حرمه الله وجعله أغلى عنده من الكعبة؟ وهذا مما لاحظته في سلوك هؤلاء، يخافون من المسائلات القانونية ولا يخافون من الله، نعم لا يخافون من الله لأنهم لا يخشون أذية عباده. والأعجب من هذا أنه إذا عاملهم أحد بمثل ما يعاملون به الناس تجدهم يتباكون ويجمعون حولهم المعززين ويمنشنون كل أجهزة الدولة في منظر فكاهي درامي مثير للشفقة والضحك في آن واحد، وأقول في نفسي ما أموت قلوبهم، والله إنهم جيش أموات لا فائدة ترجى من مواجهته، كيف بالله تتحدث مع من لا قيم لديه؟ مع من لا يتورع عن أذيتك وقطع رزقك ويقنع نفسه وأتباعه بأن هذا الأذى دفاع عن الوطن؟ قاتلهم الله.

ما أتمناه حقا أن يراجع الأتباع أنفسهم وأن لا يورطوا نفسهم معهم أكثر. المشكلة أن التوبة والرجوع في هذه الحالات ليست بالأمر السهل، فهناك حقوق عباد لن يضيعها الله، إذا تاب التابع عليه أن يعتذر لكل من هاجمه شخصا شخصا ليخلص حقه منه، ولكن هذا أفضل من الاستمرار مع هؤلاء الذين دأبوا على أذية الخلق والتحريض عليهم، لا تجعلوا من أنفسكم مطايا عند أحد، أعطاكم الله عقلا لتفكروا به، استخدموه. إذا وجدتم مقطعا يشوه شخصا ما لا ترتوتوه مالم تتحققوا من كل جزء منه بأنفسكم، هذه مسؤولية ويوم الحساب لن تعفوا منها بحجة أنكم اتبعتم زعماء التشويه في تويتر، كلكم ستحاسبون. وعن نفسي، وكلت الوكيل والديان سبحانه وسيقتص لي من كل هؤلاء، هو عضدي ونصيري وقد نصرني وأيدني وأعانني ولله الحمد لم يفلحوا، ولكني لست متنازلة عن حقي وموعدنا عند الديان سبحانه. أنا طبعا مع أن يأخذ الشخص حقه قانونا ونحن بفضل الله في دولة عدل وقانون، أهم شئ أن يتم ذلك بعيدا عن تويتر حتى لا يكون الأمر مجرد استعراض، ولكن الأهم أن الوعد عند رب العالمين.

ودمتم

%d مدونون معجبون بهذه: